السيد كمال الحيدري

58

اللباب في تفسير الكتاب

الأفعال المتعلّقة بالمادّة ولواحقها ، فوضَعنا الألفاظ علائم لمسمّياتها التي نريد منها غايات وأغراضاً عائدة إلينا . بيدَ أنّه كان علينا أن ننتبه إلى التغيّر الذي يطرأ على تلك المسمّيات المادّية ، فهي محكومة بالتبدّل دائماً تبعاً لتبدّل الاحتياجات ذاتها وسيرها في طريق التحوّل والتكامل . على سبيل المثال اكتسب السراج الذي يستضىء به الإنسان صيغة بدائية تتألّف من فتيلة وشىء من الزيت ، ثمّ لم يزل يتكامل حتّى بلغ اليوم السراج الكهربائي ، بحيث تلاشت أجزاء السراج الذي صنعه الإنسان في البداية ووضع بإزائه لفظ السراج ، الأمر نفسه ينطبق على القوّة في قوله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوه ) ( الأنفال : 60 ) بين ما كان يدلّ عليه من مصاديق سابقاً وبين مصاديقه الحاضرة . وفى جميع هذه الأمثلة وغيرها ، بلغت المسمّيات حدّاً من التغيير إلى درجة فقدتْ معها جميع أجزائها السابقة ذاتاً وصفةً ، والاسم مع ذلك باقِ ، وليس ذلك إلّا لأنّ المراد في التسمية إنّما هو الشئ في غايته المترتّبة عليه لا شكله وصورته ، بل ولا حتّى مادّته المكوّنة له ، فما دام غرض الاستضاءة أو الدفاع باقياً كان اسم السراج والقوّة باقياً على حاله . إذن كان حريّاً أن ننتبه إلى أنّ المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض ، لا جمود اللفظ على صورة واحدة ، فذلك ممّا لا مطمع فيه البتّة ، ولكن العادة والأنس منعانا من ذلك ، وهذا هو الذي دعا المقلّدة من أصحاب الحديث من الحشويّة والمجسّمة إلى أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير ، وليس هو في الحقيقة جموداً على الظواهر ، بل هو جمود على العادة والأُنس في تشخيص المصداق . لكن بين هذه الظواهر أنفسها أُمور تبيّن أنّ الاتّكاء والاعتماد على الأُنس والعادة في فهم معاني الآيات يشوّش المقاصد منها ويختلّ به أمر الفهم كقوله